بين حرية التعبير والإساءة.. فوضى المحتوى في منصات التواصل

الرياض – الكون بزنس


كتبت/ نورة حمد الشبل


لم تعد بعض منصات التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير أو الحوار، بل تحوّلت – بفعل سوء الاستخدام – إلى أدوات أذى يمارسها أشخاص يكتبون بلا وعي، ويتحدثون بلا مسؤولية، ويتدخلون في حياة الآخرين وكأنها مشاع عام. في هذا الفضاء المفتوح، لم يعد السؤال: ماذا نكتب؟ بل: كيف نسمح لأنفسنا أن نكتب بهذا القدر من القسوة؟


برزت شخصيات لا تمتلك مشروع فكر ولا رسالة، لكنها تمتلك جرأة الإساءة. شخصيات تتقن التشكيك أكثر مما تتقن التحليل، وتجد في التشهير وسيلة للظهور، وفي التدخل في شؤون الآخرين مادة لصناعة محتوى رخيص. يطلقون أحكامًا على علاقات لا تخصهم، ويصنعون روايات عن أشخاص لا يعرفونهم، ويستبيحون الخصوصية تحت مسميات فضفاضة كـ«الجرأة» أو «قول الحقيقة».

المشكلة لا تكمن في الاختلاف في الرأي، بل في العدوانية المقنّعة التي تُمارس باسم الرأي. فحين يتحول النقد إلى تجريح، والحوار إلى هجوم، والمتابعة إلى وصاية، نكون أمام سلوك سام لا علاقة له بحرية التعبير. بعض هذه الشخصيات تعيش على خلق الصراعات، وتقتات على الجدل، وتستمد حضورها من تشويه الآخرين، وكأن الإساءة أصبحت الطريق الأقصر للشهرة.


الأخطر من الإساءة ذاتها هو تطبيعها. حين يصبح التشهير مادة يومية، والتدخل في الحياة الخاصة أمرًا معتادًا، وتتحول السمعة الإنسانية إلى محتوى قابل للتداول. عندها تتراجع الأخلاق الرقمية، ويضيع الحد الفاصل بين الجرأة وقلة الاحترام، وبين النقد والعداء الشخصي.

هذه السلوكيات لا تؤذي الأفراد فقط، بل تلوّث المشهد العام، وتضعف الثقة، وتخلق بيئة رقمية طاردة لكل صوت عاقل ومتزن. ومع الوقت، يخفت صوت الوعي، ويعلو صوت الضجيج، ويُكافأ المسيء بالتفاعل، بينما يُهمّش من يحترم الكلمة وحدودها.


إن الكلمة في هذا العصر ليست عابرة، وما يُكتب يبقى، ويؤثر، ويُحاسَب عليه صاحبه أخلاقيًا وإنسانيًا. فالشخص الواعي لا يحتاج إلى الإساءة ليُثبت وجوده، ولا إلى تشويه الآخرين ليصنع لنفسه قيمة.


في زمن الضجيج، يصبح الوعي موقفًا، ووضع الحدود ضرورة، والاحترام فعل شجاعة. وستبقى المنصات مجرد أدوات… أما الأذى، فيصنعه من قرر أن يكتب دون ضمير


أخر إصدار من مجلة الكون بيزنس
تويتر
LinkedIn
Poll

هل ترى أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة أعمال الشركات؟

نعم

86%

لا

14%

نعم

لا

مع أم ضد التعليم عن بعد؟

نعم

75%

لا

25%

نعم

لا

Do you have iPhone 12

نعم

46%

لا

54%

نعم

لا

جميع الحقوق محفوظة للكون بزنس © 2023