في خطوة تعكس وعيًا ثقافيًا متقدمًا، قدّم مهرجان الجوف الدولي نموذجًا لافتًا في كيفية مخاطبة العالم بلغته، حين اختار تقديم فن «الدحة» الشعبي باللغة الإنجليزية، في مبادرة تهدف إلى إيصال الموروث الثقافي المحلي إلى جمهور دولي أوسع، دون المساس بروحه الأصيلة أو عمقه التاريخي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي المهرجان لتعزيز الحضور الثقافي لمنطقة الجوف على الساحة العالمية، عبر أدوات تواصل حديثة تجعل التراث أكثر قدرة على التفاعل مع الزوار من مختلف الجنسيات. فبدل الاكتفاء بعرض الفنون الشعبية بصيغتها التقليدية، اتجه المهرجان إلى إعادة تقديمها بأسلوب معاصر يوازن بين الأصالة والحداثة
وتُعد «الدحة» واحدة من أبرز الفنون الشعبية في شمال المملكة العربية السعودية، حيث ارتبطت تاريخيًا بالمناسبات الاجتماعية والتجمعات القبلية، معتمدة على الأداء الجماعي المتناغم، والإيقاع الصوتي الموحد، والحركات المنتظمة التي تعكس قيم الشجاعة والتكاتف والانتماء. وقد انتقل هذا الفن عبر الأجيال بوصفه ذاكرة حيّة تعبّر عن وجدان المجتمع المحلي، وتحمل في طياتها سردًا شفهيًا لتاريخ المنطقة وروحها الجماعية.
ومن خلال تقديم «الدحة» بلغة عالمية، يبعث مهرجان الجوف الدولي برسالة واضحة مفادها أن التراث ليس حبيس الماضي، بل عنصر ثقافي حيّ قادر على التطور والتواصل والتأثير. كما تعكس هذه المبادرة توجهًا متناميًا في المشهد الثقافي السعودي، يقوم على تصدير الهوية المحلية بثقة، وإعادة صياغتها لتكون مفهومة ومُلهمة خارج حدودها الجغرافية
ويواصل المهرجان ترسيخ دوره بوصفه منصة ثقافية وسياحية تجمع بين الفنون الشعبية، والفعاليات التراثية، والأنشطة التفاعلية، مستهدفًا تقديم الجوف كوجهة ثقافية تمتلك خصوصيتها، وقادرة على الحضور في المشهد الدولي من خلال محتوى يعكس أصالة المكان وإنسانه.
بهذا التوجّه، يؤكد مهرجان الجوف الدولي أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل إحياؤه بأساليب ذكية تضمن استمراريته، وتفتح له آفاقًا جديدة للحضور والتأثير في عالم سريع التغيّر



























