كتب / عاطف بن علي الأسود
الرياض – الكون بزنس
لم تعد العلوم الطبية الشرعية مجالا معرفيا محصورا في نطاق المختبرات والممارسات المهنية المتخصصة، بل أصبحت جزءا من منظومة متكاملة تتقاطع فيها العلوم والصحة والعدالة والتقنية وصناعة الكفاءات
ومن هذا المنطلق تبرز القمة العالمية للتميز في العلوم الطبية الشرعية GFEX – Global Forensic Excellence Summit كمنصة سعودية ذات امتداد عالمي تسهم في ترسيخ حضور المملكة في قيادة التميز والابتكار في هذا المجال المتخصص وتقدم نموذجا يتجاوز مفهوم المؤتمر التقليدي إلى بناء منظومة معرفية ومهنية متكاملة
وتكتسب القمة أهمية خاصة من خلال ما تقدمه من جوائز عالمية للتميز تكرم المتميزين والرواد والمبتكرين في مجالات العلوم الطبية الشرعية وتسلط الضوء على الإنجازات النوعية التي يمكن أن تتحول إلى نماذج عالمية قابلة للتطوير والاستفادة منها
ولا تقف أهمية GFEX عند حدود الجوائز والتكريم بل تتسع من خلال احتضانها لعدد من المؤتمرات والفعاليات العلمية الدولية المتخصصة التي تجمع خبرات متعددة تحت مظلة واحدة وتعزز التواصل بين العلماء والممارسين والجامعات والمؤسسات ذات العلاقة
ومن أبرز هذه المؤتمرات المؤتمر الدولي للمعرفة والمهارات والقدرات في الصيدلة وعلم السموم KSAPT – Knowledge, Skills & Abilities in Pharmacy and Toxicology الذي يمثل تجربة علمية سعودية متواصلة بعد ست نسخ ناجحة ويستعد حاليا لنسخته السابعة في الرياض
وتتجاوز أهمية KSAPT الجانب العلمي المباشر إلى بناء نموذج أكثر عمقا في التعليم والتأهيل المهني من خلال ربط المعرفة بالمهارات والقدرات وتحويلها إلى ممارسة عملية قادرة على التعامل مع القضايا المعقدة في الصيدلة وعلم السموم
ومن أبرز المبادرات التي ولدت من هذه الرؤية كأس فرسان علم السموم العرب التي تقدم نموذجا مختلفا للتعليم البيني والتعاون بين التخصصات الصحية
فالمسابقة لا تقوم على التنافس العلمي بمعناه التقليدي فقط بل تجمع في الفريق الواحد طلابا من الطب والصيدلة والعلوم الطبية ليتعلموا منذ المرحلة الجامعية كيف يتكامل كل تخصص مع الآخر وكيف يمكن للمعرفة المشتركة أن تقود إلى قرار طبي سريع ودقيق في الحالات التي قد تكون فيها الدقائق حاسمة لإنقاذ حياة مريض التسمم
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمبادرة فالعمل التكاملي بين التخصصات لا ينبغي أن يبدأ بعد التخرج وإنما يجب أن يتأسس منذ مقاعد الدراسة من خلال التدريب والممارسة المشتركة وفهم أدوار التخصصات المختلفة
وقد حظيت هذه المبادرة برعاية الأمانة العامة لاتحاد الجامعات العربية وبحضور ودعم أمينها العام بما يعكس أهمية هذا النموذج في تعزيز التعليم البيني وترسيخ ثقافة التعاون العلمي والمهني بين التخصصات الصحية على المستوى العربي
وفي قلب هذا المسار يبرز الدور الفكري والتأسيسي للدكتورة مها المزروع التي ارتبط اسمها بفكرة عدد من هذه المبادرات وتطويرها وفي مقدمتها فكرة مؤتمر KSAPT ومبادرة كأس فرسان علم السموم العرب إلى جانب فكرة جوائز التميز العالمية ضمن GFEX
ويأتي هذا الدور في إطار رؤية أوسع تقوم على أن صناعة التميز لا تتحقق بمجرد تنظيم المؤتمرات أو منح الجوائز وإنما تبدأ من الاستثمار في الإنسان وبناء المعرفة وتطوير المهارات وربط التخصصات المختلفة ضمن منظومة واحدة قادرة على إنتاج حلول أكثر تكاملا وتأثيرا
وتجمع هذه المبادرات على اختلاف مساراتها فلسفة واحدة تتمثل في صناعة الإنسان المتميز وربط المعرفة بالمهارة وتحويل التخصصات المتعددة من مسارات متوازية إلى منظومة متكاملة تخدم الإنسان والصحة والعدالة
وهذه الرؤية تمنح القمة العالمية للتميز في العلوم الطبية الشرعية بعدا يتجاوز الحدث العلمي إلى بناء مجتمع مهني ومعرفي قادر على التواصل والتعاون وتبادل الخبرات وإنتاج نماذج جديدة للتميز
كما أن اختيار المملكة منصة لانطلاق هذه المبادرات يحمل دلالة مهمة في ظل ما تشهده المملكة من تحول واسع في منظومة التعليم والصحة والبحث والابتكار وبناء الكفاءات الوطنية وفتح مسارات جديدة للتعاون الدولي
ومن هنا يمكن النظر إلى GFEX باعتبارها جزءا من الحراك العلمي الذي تشهده المملكة وليس مجرد مؤتمر آخر يضاف إلى أجندة المؤتمرات الدولية فهي منصة تجمع الخبراء والمؤسسات والجامعات والجيل الجديد من المتخصصين وتمنح المعرفة مساحة للتفاعل مع الممارسة وتفتح المجال أمام الكفاءات العربية للمنافسة والتعاون على مستوى عالمي
إن القيمة الأهم في هذه التجربة تكمن في قدرتها على بناء جسر بين العلم والممارسة وبين الأجيال المختلفة من المتخصصين وبين التخصصات التي تحتاج في كثير من الحالات إلى العمل معا للوصول إلى القرار الصحيح
ومن المملكة إلى العالم تتشكل ملامح تجربة تستحق المتابعة لأنها لا تكتفي بتقديم المعرفة وإنما تسعى إلى صناعة أثر مستدام من خلال بناء الكفاءات وتكريم التميز وتعزيز التعاون العلمي وإعادة تعريف العلاقة بين العلوم الطبية الشرعية والصحة والعدالة
وهنا تتحول GFEX من منصة للمؤتمرات إلى مشروع لصناعة التميز وبناء الإنسان وإطلاق مبادرات يمكن أن يكون لها حضور وتأثير يتجاوز حدود المكان ليصل إلى المجتمع العلمي العالمي



























