الشرقية – الكون بزنس
كتب: محمد حسن العيسى
في الحياة رجالٌ يمرّون مرور العابرين، ورجالٌ إذا مرّوا تركوا أثراً يشبه العطر؛ لا يُرى، لكنه يملأ المكان حضوراً. ذلك الغائب جسداً، الحاضر روحاً، لم يكن مجرّد اسمٍ في مجلسٍ عامر، ولا صورةً في ذاكرةٍ بعيدة، بل كان قيمةً تمشي بين الناس، وخلقاً يُرى قبل أن يُقال.
فقدناه منذو شهر، الحاج محمود منصور السيهاتي أبو أحمد
لكن الفقد لم يكن حدثاً عابراً، بل كان اهتزازاً داخلياً أعاد ترتيب المشاعر في قلوبنا. لم تفقده أنت اخي العزيز ابو نجيب صاحب القلب الطيب وحدك، ولم يفقده أهله فقط، بل افتقده كل من عرفه، وكأن جزءاً من الطمأنينة قد غاب برحيله. هناك أشخاص إذا رحلوا شعرنا أن شيئاً من الضوء انطفأ، لكنه في الحقيقة لم ينطفئ… بل تحوّل إلى نورٍ يسكن الذاكرة
كانت رسائله الأسبوعية نافذة خير تُفتح في زحام الأيام؛ كلمات بسيطة، لكنها مشبعة بطيبةٍ عميقة وصدقٍ لا يتكلّف. كان يكتب كما يعيش؛ بصفاء، وبنيةٍ خالصة، وبقلبٍ لا يعرف إلا الوفاء. وفي كل رسالة كنا نلمح حبه الكبير، واعتزازه العميق بشخصكم، وحرصه على بقاء روابط الود متينة لا تهزّها الأيام.
أحببناه لأصالته… لذلك المعدن النادر الذي لا تصنعه الظروف بل تكشفه. أحببناه لتفانيه، لحضوره الصادق، لابتسامته التي تسبق حديثه، ولقدرته العجيبة على أن يجعل من المجلس بيتاً، ومن اللقاء ذكرى، ومن العلاقة أخوّة.
واليوم، وإن غاب جسده عن المقاعد التي اعتادها، فإن روحه لا تزال ترفرف بيننا؛ في كل زاوية من المجلس، في كل فنجان قهوة يُقدَّم بمحبة، في كل دعوةٍ تُوجَّه بكرم، في كل حديثٍ صادق يجمع القلوب. بعض الأرواح لا تعرف الغياب، لأنها ببساطة تسكن الأماكن التي أحبتها، وتسكن القلوب التي أحبتها أكثر.
رحل… لكنه لم يترك فراغاً فقط، بل ترك إرثاً من الخلق والوفاء والذكر الطيب. والرجال الذين يزرعون هذا الأثر الجميل لا يُفقدون حقاً؛ إنهم يتحوّلون إلى دعاء، وإلى ذكرى دافئة، وإلى مثالٍ يُحتذى.
نسأل الله أن يجمعنا به في دارٍ لا فراق بعدها، وأن يبقى اسمه حيّاً كما عرفناه: عنواناً للأصالة، ومرآةً للحب، وروحاً ما زالت ترفرف بيننا، وإن غابت عن العين




























