ليست المشكلة في قسوة العالم… بل في أن يفقد الإنسان رحمته

كتب / محمد العيسى


المنطقة الشرقية - الكون بزنس


ليس أكثر ما يخيفني في هذا الزمن كثرة الحروب، ولا صخب المصالح، ولا سرعة تبدّل الوجوه، بل أن يفقد الإنسان رحمته وهو يظن أنه يزداد حكمة.


لقد رأيت في حياتي أناسًا لا يملكون إلا قلوبًا بيضاء، يمدّون أيديهم بالعون كلما احتاجهم أحد، ويقفون مع الآخرين في الشدائد قبل الأفراح، ويبذلون من وقتهم ومالهم ومكانتهم دون أن ينتظروا ثناءً أو مكافأة. هؤلاء لا يصنعون الخير طلبًا للمقابل، بل لأن الخير أصبح جزءًا من تكوينهم، ولأنهم يؤمنون أن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه هو أثره الطيب.


وفي المقابل، رأيت من امتلأت عقولهم بالمعرفة، لكن فرغت قلوبهم من الرحمة. يتحدثون عن الفكر، ويجادلون في المبادئ، ويُتقنون تحليل البشر، لكنهم يعجزون عن مواساة منكسر، أو احتواء ضعيف، أو رد الجميل لمن وقف معهم يومًا. وكأن الذكاء منحهم حق القسوة، وكأن الثقافة أعفتهم من واجب الإنسانية

ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان الطيب ليس أنه أعطى كثيرًا، بل أن يكتشف أن بعض من أحسن إليهم كانوا يرون عطاؤه واجبًا، وكرمه حقًا مكتسبًا، ووقوفه معهم أمرًا مفروغًا منه. يأخذون كل ما يستطيعون أخذه، من وقته، وماله، وجهده، وعلاقاته، فإذا احتاجهم يومًا، تراجعوا، أو اختفوا، أو ازدحموا بالأعذار. عندها يدرك أن بعض الناس لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد فقدها، ولا يعرفون قيمة الإنسان إلا بعد غيابه.


لكن رغم ذلك كله، لا أرى أن الخذلان مبررٌ لأن نتخلى عن أخلاقنا. فلو أصبحت قاسيًا لأن غيرك كان قاسيًا، فما الذي يميزك عنه؟ ولو قابلت الجفاء بالجفاء، فمن الذي انتصر في النهاية؟


لقد علمتني الحياة أن السمو الحقيقي ليس في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على النفس. أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار الصمت. وأن تملك أسباب الانتقام، ثم تختار العفو. وأن ترى صغائر النفوس، فتترفع عنها، لا ضعفًا، بل احترامًا لنفسك، وإيمانًا بأن كرامة الإنسان أكبر من أن تُستهلك في كل معركة صغيرة.


إن الإنسان الراقي لا يقيس نجاحه بعدد من غلبهم، بل بعدد المواقف التي حافظ فيها على مبادئه. وأسمى درجات النضج أن لا تسمح لتصرفات الآخرين أن تعيد تشكيل أخلاقك، ولا أن تجعل قلوبًا قاسية تطفئ النور الذي أودعه الله في قلبك.

ولهذا، سأبقى مؤمنًا أن الرحمة ليست عاطفة عابرة، بل هي أعلى درجات الذكاء الإنساني. وأن الطيبة ليست سذاجة، بل شجاعة نادرة في زمنٍ أصبحت فيه القسوة تُسوَّق على أنها قوة، والجفاء يُسمى صراحة، والتعالي يُلبس ثوب الثقة بالنفس.


لن أغيّر قلبي لأن البعض لم يحسنوا التعامل معه، ولن أسمح لجحود أحد أن يطفئ في داخلي حب الخير. سأتعلم أن أختار من يستحق، وأن أضع الحدود التي تحفظ كرامتي، لكنني لن أتخلى عن الرحمة، لأنها ليست هدية أهديها للناس، بل قيمة أحيا بها، وهوية أرجو أن ألقى الله بها.


فالإنسان الحقيقي لا يُقاس بما يملكه من علم، ولا بما يحققه من نجاح، ولا بما يجمعه من مال، بل بما يبقيه حيًا في قلوب الناس بعد أن تنتهي المصالح. وأجمل إرثٍ يتركه المرء خلفه ليس ثروةً ولا منصبًا، بل قلبٌ رحيم، لم تؤثر فيه قسوة الحياة، ولم يتغير رغم كثرة الخذلان.


ولذلك، كلما ازداد الإنسان علمًا، كان الأولى أن يزداد رحمة. فإن ازداد علمه وجفّ قلبه، فقد تعلّم كيف يفكر… ولم يتعلم بعد كيف يكون إنسانًا.


ليس انتصار الإنسان أن يكسب الناس جميعًا، بل أن يحافظ على إنسانيته، حتى بعد أن يخسر بعضهم.


أخر إصدار من مجلة الكون بيزنس
تويتر
LinkedIn
Poll

هل ترى أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة أعمال الشركات؟

نعم

86%

لا

14%

نعم

لا

مع أم ضد التعليم عن بعد؟

نعم

75%

لا

25%

نعم

لا

Do you have iPhone 12

نعم

46%

لا

54%

نعم

لا

جميع الحقوق محفوظة للكون بزنس © 2023